‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة- المجتمع - أخبار طبية - الثقافة الجنسية - الصحة العامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة- المجتمع - أخبار طبية - الثقافة الجنسية - الصحة العامة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 يونيو 2010

الكذب وآثاره السلبية

الكذب وآثاره السلبية

 

clip_image001

 

ليس بالضرورة أن تكون مؤرخاً لتلحظ أن هناك تغيرات تربوية هائلة قد طرأت على النُظم التعليمية والتربوية في جميع عناصرها بدءاً من التخطيط وحتى التنفيذ والمتابعة، ولذلك نجد بأن الأهل في وقتنا هذا يواجهون تياراً من المواقف التربوية مكونة أي مركبة.

ويمكن أن نعتبر حالياً، على سبيل الدقة والحصر أن الثلث الأول من هذا القرن يفتقر للإنسانية، وقد أعقبته منذ الأربعينيات موجة من "الفهم للطفل"، ولقد وصلتنا عن طريق الولايات المتحدة الأميركية فكرة تحرر الطفل تحت عنوان" كل شيء مسموح".

ولكن علينا أن نؤمن ككبار بأن كل جيل يعمل بشكل أفضل وبكل الأحوال وبطريقة مختلفة عن الجيل الذي سبقه رغم كل السلبيات التي هو فيها شئنا أن أبينا معه أو ضده، التيار والتطور يسيران معاً ولن يستطيع أحد أن يوقف عجلة الحياة الدائرة.

من الممكن أن يقول القارئ إنني ابتعدت قليلاً عن الموضوع الذي نحن بصدده.

أقول أبداً، ولكن نتاج الحضارة والتطور زاد من بعض الصفات التي أعتبرها سيئة جداً في عصرنا الحاضر وأصبحت كالخبز اليومي في حياتنا، إذ لا تمضي دقيقة إلا ونستخدمها في سلوكنا وحياتنا وتصرفاتنا وآرائنا ألا وهو "الكذب"؟!

إن العمل على تنشئة الطفل على الأمانة في ذكر الوقائع هو عين العمل بوجه عام على تنشئته على الأمانة فيما يتصل بأملاك الغير، وكثيراً ما يصحب الكذب السرقة، بيد أن الكذب كثيراً ما يوجد قائماً بنفسه؛ لكن كثيراً من المواقف النفسانية كالشعور بالقصور مثلاً أو الشعور بالتباهي والتفاخر مثلاً تدفع طفلاً إلى الكذب، بينما تدفع عين المواقف طفلاً آخر للسرقة مثلاً، والأمانة في سرد الحقيقة كالأمانة بشأن أملاك الآخرين أمر يكتسب ولا يورث.

وهي تُكتسب بالتقليد، فمنذ الولادة والطفولة المبكرة وعندما نعامل الطفل عن طريق الكذب، " كُلْ هذه أشترِ لك لعبة" ولا أشتريها له.

" قل للجارة إنني غير موجودة " وأنا في البيت.

"أرد على الهاتف وأبدأ بالكذب على صديقتي أمام الطفل، طبخت كذا- أكلت كذا- اشتريت كذا.." الطفل يسمع ويجمع ويعرف كل شيء، فهو يلعب ويصغي وأحياناً كثيراً تعتقدين بأنه غير مبال لحديثك بينما هو عينه على اللعبة وأذنه مع الكبار في حديثهم.

والكذب من الأمراض الاجتماعية شديدة الخطورة، وهو منتشر بين الأطفال والمراهقين والكبار على حد سواء، وليعرف الجميع ما معنى الكذب يجب أن يعرف ما هو الصدق.

فالصدق يخيل لنا لأول وهلة بأنه مطابقة القول للفعل، ولكن كثيراً ما يحدث بأن يكون القول غير مطابق للواقع ويكون الإنسان صادقاً، كقول القدماء " إن الشمس تدور حول الأرض، وكثيراً ما يحدث أن يكون القول مطابقاً للأصل، ولكننا نعد الشخص كاذباً كقول بعضهم "ويل للمصلين"، ثم الوقوف عند ذلك.

إذاً المهم في الصدق أن تكون النية متوفرة لمطابقة القول بالفعل "مطابقة تامة" إذ يلاحظ في الكذب توفر النية لعدم المطابقة والتضليل.

ولذلك إذا نشأ الطفل في بيئة تحترم الحق وتلتزم الصدق حيث يفي القوم أبداً بما وعدوا وإذا عجزوا عن الوفاء شرحوا السبب في ذلك شرحاً وافياً، في بيئة لا يتخلص فيها الآباء أبداً بانتحال المحاذير المفتعلة وفي أسرة تلتزم الأمانة والصدق بقدر دعوتها إليها، لأن الطفل إذا لم أبالغ نسخة مصغرة عن والديه وإخوته نسخة تُرسم ملامحها عن ملامح الأب والأم وطريقة تعاملها مع بعضهما ومع الأهل ومع الناس ومع الأقارب والأولاد، ولذلك احذروا أيها الكبار

فهناك ملاك صغير يسجل ويحفظ ويبرمج كل ما يجري في بيوتكم.

فكثيراً ما يسمع الطفل أبويه أو أحدهما يشكك في صدق الآخر، أو إذا شاهد أمه تتخلص مما يثقل عليها من الواجبات الاجتماعية بادّعاء المرض، أو إذا اشترك في خداع الأبوين أحدهما للآخر بأن يطلب إليه ألا يخبر أمه بهذا الأمر أو أباه بذلك، أو إذا بذلت له مختلف الوعود ثم تواتر خلفها دون إيضاح، أو إذا خدعه الكبار أو غشوه في معاملاتهم.

لذلك ينبغي على الطفل أن يؤمن من صلاته اليومية بمن يعيش معهم أنهم يتوقعون الصدق منه وأن للأسرة مستوى أخلاقياً وأن هذا المستوى مقومٌ من مقومات الحياة اليومية التي ينبغي أن يسمو إليها، ولكن ودون مبالغة نجد الآن كثيراً من الأسر زادها الذي تفخر به أمام الجميع أن الكذب عندهم هو محور حياتهم ولا يعرفون التعامل بغير طريقه؛ لأنهم مفرغون من الداخل من الصفات الأخلاقية ويعتبرون سلوكهم هو السلوك المشرف والذي عن طريقه يكتسبون المراتب والمال و.. يعتبرونه نوعاً من الذكاء الاجتماعي والذي عليهم ممارسته لكثير من المنافع، إذ تبنى حياتهم على الكذب الادّعائي، وهذا النوع من الكذب يوجه عادة لتعظيم الذات وجعلها مركز الانتباه والإعجاب وهو ينشأ عادة من الشعور بالنقص وتعظيم الذات عن طريق الكذب لتغطية هذا الشعور بالنقص "نملك كذا وكذا.. ذهبنا في رحلة إلى وإلى..

وخاصة إذا ما وُجد الشخص في بيئة أعلى من مستواه في ناحية ما وكانت نفسه تتوق إلى الوصول لهذا المستوى فنجده يكذب ويكذب ويتملق هذا وذاك للوصول إلى ما يريد وخاصة إذا لم يستطع الوصول عن طريق المسلك السليم فيلجأ إلى الطرق البعيدة عن الحقيقة المخالفة للواقع والمخترعة من مخيلته، وهذا ما يؤدي بالإنسان إلى عدم قدرته على الانسجام مع ذاته ولا مع من حوله، ومن ضيق البيئة التي يعيش فيها مثلاً بالنسبة إلى البيئة التي تضطره ظروفه لها.

كالعمل أو المدرسة فيؤدي ذلك إلى المزيد من الإذلال والقمع، والحسد والألم.. وكثيراً ما يلجأ الأطفال والمراهقون والمراهقات بالأخص للكذب على الأهل لأنهم يشعرون بأن ما يفعلونه من سلوكيات خارج البيت لا ترضي الأهل أو عكس مبادئهم أو أخلاقياتهم فيضطرون للكذب وخاصة إذا افتقدوا للصراحة والصدق والثقة.

ولعل مردَّ ذلك أننا فرّطنا كثيراً في تدليل أولادنا مما جعلهم يكبرون قبل أوانهم ولذلك اعتقدوا هم بأنهم أصبحوا كباراً وعليهم أن يسلكوا طريق الكبار ويبتعدوا عن قوانيننا، لأننا برأيهم كمثل السجن بالنسبة لهم، ولذلك علينا أن نكون القدوة والمكان الآمن لهم بالصبر والتأنّي والترغيب وغير ذلك لا يجدي نفعاً، وإذا ابتعدنا عنهم فهناك مئات المؤثرات الخارجية السيئة بانتظارهم، علينا الدخول إلى عالمهم وإلا دخل غيرنا واحتل مكاننا في نفوس أولادنا.

وليس تقليد سلوك الآباء هو السبب الوحيد في كذب الأبناء لكنه مع هذا سبب شائع في حياة الطفل منذ وقت مبكر، وهو سبب من اليسير حقاً أن نتلافاه، فكثيراً ما يلجأ الطفل في سبيل المفاخرة بقيمته الذاتية إلى المبالغة في بعض المواقف التي قام بدور فيها، وكثيراً ما يكون للأقاصيص التي ينسجها أساس واه من الواقع، بيد أنها كثيراً ما تكون أموراً لفّقها الطفل حتى لا يتجاهل الناس أمره تجاهلاً مطلقاً، ويغلب أن يصدر هذا النوع من التلفيقات من البنت أو الولد الذي تضيق به الحيلة والذي لا يستطيع أن يساهم مع المجموعة التي يتصل بها إلا بقدر ضئيل، لكنه رغم هذا يتوق إلى تحقيق شيء يستحق الذكر والتنويه، وهذا ينقله بأجنحة الخيال إلى عالم من الوهم والتلفيق لرغبات لم تتحقق.

clip_image003

وقد يستخدم بعض الناس الكذب الفرضي "أو الأناني"، فقد يكذب الطفل أو المراهق أو الكبير ليحقق غرضاً شخصياً ملحاً بالنسبة له، فقد يحتاج لدراهم للذهاب لمكان ما، أو شراء شيء فيلجأ إلى الكذب "الأستاذ يريد كذا، أو المدير يحتاج إلى كذا.. ونعالج هذا النوع من الكذب بمعرفة احتياجات هذا الطفل أو هذا المراهق وخاصة ما يتعلق بحاجاته المدرسية أو الشخصية، ولكن كيف نتدبر عالم الكبار الذين كثيراً ما يعتمدون هذا كأسلوب حياة قائمة بأكملها على الدَّين والسلفة والجمعيات من هذا وذاك فهنا الكذب أعتبره إدماناً، وإدماناً لعيناً لا يستطيع الفرد منه فراراً " على قد بساطك مد رجليك".

وهناك الكذب الانتقامي: وهذا الأسلوب هو نوع من الكذب الذي يستخدمه الإنسان ليوقع بالآخر لأنه لا يحبه أو لا يريد منه أن يتقرب لشخص هو يريده لنفسه "المراهقة التي تحب وتحاول أن تتقرب من محبوبها تحاول الإيقاع بصديقاتها وتكذب الأكاذيب عنهم وتصطنع إسقاط صفات سيئة عليهن لإبعادهم عن نظر حبيبها"، وقد يكذب المراهق انتقاماً في حالات الغيرة والحسد أو الشعور بعدم المساواة والعدل في المعاملة بينهم وبين من يتهمونه.

وهناك الكذب الوقائي والذي يستخدمه الفرد في الدفاع عن أصدقائهم لحمايتهم من العقاب وهذا يعتبرونه مظهراً من مظاهر الولاء للجماعة وعليهم التمسك به وبرأيهم أن هذا النوع من السلوك ليس كذباً إنما هو التزام بقوانين الجماعة والتي لها مبادئها الأخلاقية عليهم التمسك بها.

وأنا لست بصدد القول بأن ألغي دور العقاب نهائياً ولكن في أكثر الأحيان أجده غير مجدٍ، إذ ينبغي أن يعرف الفرد بأن قول الصدق يجدي نفعاً أكبر، وأن يعرف بأن هناك عقاباً خاصاً يترتب على بعض الأخطاء إذا ارتكبها وأنه لا يكفي لسداد الدين اعترافك بما استدنت، وهناك الكذب العنادي يستخدمه الإنسان لمجرد الاستفزاز وإشعارك بالضيق مثال: عندما يستفز الزوج زوجته ويبدأ الكذب عليها، رأيت وذهبت مع .. بهدف إغضابها وإزعاجها ليشعر هو بالسرور والنشوة.

ومن أخطر حالات الكذب هو الكذب المرضي والتي يصبح السلوك فيها أو القول لا شعورياً وخارجاً عن إرادة الإنسان وهي معروفة في كل مكان وزمان ويصبح محور حياة الإنسان قائماً على الكذب والافتراء وما أكثرهم في مجتمعاتنا.

من هذا كله هل نقول إن الكذب لا علاج له؟! طبعاً من الخطأ قول ذلك؛ ولكن من أبغض الطرق في العلاج الالتجاء إلى العقاب وخاصة لدى الأطفال والمراهقين لأنه لا جدوى من ذلك البتة، فإذا واجه الوالد ابنه بقوله: "إني لأعرف أنك كنت تكذبني، وأعرف الحقيقة كاملة، فلم لا تعترف كما يفعل الرجال حتى لا تضيف الكذب إلى بقية ما ارتكبت من ذنوب!"، إذا فعل الوالد ذلك غلب أن يثور العصيان والتحدي بنفس ابنه إلى حد يتعسر معه الوصول إلى الصدق، بل الأفضل كثيراً من هذا أن يقول "إني لأرجو يا بني ألا تخفي عني شيئاً قد يساعدني على تقديم المعونة لك، وإني لموقن أن في ذهنك أمراً، فدعنا نتحدث في ذلك سوياً حين ترغب في ذلك، فقد تستفيد مما عندي من خبرة".

ولابد من تعديل ألفاظ هذه العبارة حتى تتناسب مع سن الطفل.

والمهم في هذا ألا نلزم الطفل إلزاماً باتخاذنا موضعاً لثقته وألا نطلب منه ذلك.

إذ نجد في كثير من الأوقات أن الطفل يقوى ميله إلى الخداع إذا زاد قلق الآباء وهمهم من ذلك، وحاولوا التحقق من كل عبارة يذكرها الطفل وأخذوا في التضييق عليه إلى حد لا يجد منه مفراً إلا باللجوء إلى الكذب.

وكثير من الآباء الذين يتصفون بانحلال الخلق وإدمان الخمرة وكثرة الكذب وشدة الخداع يلجأ أطفالهم إلى هذا السلوك أو بعضه، وهنا تقع الأم في حيرة من أمرها فتجدها من خوفها على أطفالها تغرس في نفوسهم الكراهية والحقد على أبيهم وسلوكياته مما يبعدهم أكثر وأكثر عن الأسرة، أو تتركهم دون اهتمام أو رعاية نكاية بأبيهم وبأنه السبب في ضياعهم أو فلتانهم فيكون الطفل أو المراهق قد ضاع من أبيه وأمه.

أو أن تكون الأم شكاكة سيئة الظن أو فاقدة للثقة من زوجها وأولادها تحاسبهم على كل عبارة يلفظونها حساباً عسيراً حتى على أتفه الأسباب.

ويجب أن نترك ككبار فسحة للأطفال والمراهقين للتعبير عن أحلامهم وخيالهم لأنها كثيراً ما تكون فرصة للإفصاح عن أنفسهم وما يريدونه في المستقبل حتى ولو كان فيه شيء من الفلفل والبهارات غير الواقعية، فللأطفال كثير من الآمال والرغبات المطامح التي لا يمكن الإفصاح عنها إلا في عالم الوهم ودنيا الأحلام، هذا طبعاً للصغار والمراهقين، أما للكبار فليبتعدوا عنها فكفانا أحلاماً وآمالاً ولنبحث عن العقل في الوصول إلى حياة كريمة.

الاهتمام والإنصات للأطفال والمراهقين شيء مهم جداً لنعرف داخلهم، أحلامهم، ما يهددهم، ما يخيفهم، ما يطمحون إليه، حتى ولو كانت تافهة، وهدفنا من ذلك وضع الخطط الملائمة ليس لمواجهتها إنما لمساعدتهم في الوصول لمعرفة الحقيقة من الخيال بجو يملؤه الحب والأمان ويتعرفون من خلالها على الواقع والحقيقة ويوقنون بأن أبناءهم لن يستخدموا الكذب للتخلص من الحقيقة أو ابتغاءً للسوء والشر.

ولابد أن نعرف ككبار بأن الكذب نتائجه خطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع بكامله، ويقول علماء النفس من خلال تجاربهم بأن هناك علاقة كبيرة بين الكذب والسرقة والجنوح فكثيراً ما يستغل الكذب لتغطية الذنوب والجرائم الأخرى.

وبأن الكذب له جذور تنمو في الأسرة وتترعرع في المدرسة والمجتمع وعلينا إبادتها في أرضها، وأن لا نخلق الظروف الملائمة لنموها وأن نعرف ما يحتاجه أطفالنا ونحاورهم وبأن ما نملكه كأهل من حب وعاطفة وأمان أكبر من أي مكسب خارجي.

ويجب أن نبتعد عن الأجواء التي تشجع على الكذب والوقاية خير من العلاج وأن نترك أسلوب العقاب والتمسك بالقوانين لأن أبناءنا لا يحبون هذا الأسلوب ولذلك علينا كسب الثقة واحترام الذات وغرس حب التفاهم والأخذ والعطاء مقام القانون، والعطف والمحبة محل السلطة والشك، ولكن على أن يدرك المراهق بأن العقوبة يجب أن تكون إذا لم يرتدع، وعلينا أن نقول "لا تكذب فتكذب".

ومن زرع حصد، فما تزرعه في بيتك تحصده في المستقبل، فالصدق منجاة للإنسان ويمكن أن يقول قائل إن هذه الدراسة نظرية وغير مقنعة وهي حالات مثالية لا يمكن للإنسان أن يمارسها فنحن اعتدنا على الكذب، لأن هناك ممارسات قد لا نقصد منها الكذب بحد ذاتها إنما نمارسها لقصد التخلص من إنسان أو زائر ثقيل الدم، أو تافه أو.. نعم قد نمارس كذباً أبيض ليس بقصد الإساءة لأحد.

إنما الكذب لا يسمى إلا كذباً أبيض كان أم أسود والطفل لا يفرق بين هذا أو ذاك إنما يقلده ويتقمصه ويصبح جزءاً من سلوكه يمارسه غير عابئ، أو يقوم به غير مدرك له.

الجمعة، 27 نوفمبر 2009

الرغبة الجنسية عند المرأة الأسباب و الحلول




ضعف الرغبة الجنسية لدى المرأة.. أسباب وحلول



يقول الأطباء من «مايو كلينك» في الولايات المتحدة إن الرغبة الجنسية لدى المرأة تتقلب وتتذبذب بشكل طبيعي خلال أعوام عمرها. والارتفاعات والانخفاضات في ذلك المستوى تتوافق غالبا مع نوعية ومستوى العلاقة مع الشريك العاطفي، وتتوافق أيضا مع تغيرات حياتية تمر بها المرأة، مثل الحمل والرضاعة والوصول إلى سن انقطاع الدورة الشهرية والأمراض البدنية أو النفسية التي قد تُلمّ بها.

ويشير الباحثون إلى أن بعض الدراسات الطبية، وفي مجتمعات عالمية مختلفة، لاحظت أن نسبة «الإصابة» بتدني الرغبة الجنسية تطال أكثر من 40 في المائة من النساء في وقت ما من مراحل العمر. ولكن هذه النسبة تنخفض إلى ما بين 5 إلى 15 في المائة إذا أردنا فقط احتساب النسوة اللائي يعانين من هذه المشكلة طوال الوقت في حياتهن.

* خلاف حول التعريف

* وإزاء تفاوت التوقعات من الأزواج، أو من الزوجات أنفسهن حول ما يمكن أن يصنف بأنه مستوى طبيعي ومستوى منخفض في جانب الرغبة الجنسية لدى المرأة، فإن من الصعب وضع حد فاصل في ما بين ما هو طبيعي وما هو خلاف ذلك. ويضيف هؤلاء الأطباء القول: «لا يزال الباحثون الطبيون مختلفين حول ما هو المقدار الطبيعي وما هو المتدني، في مستوى الرغبة الجنسية لدى المرأة. كما أنهم مختلفون أيضا حول أفضل وسيلة لقياس ذلك، وبالتالي تقييم مستواه لدى المرأة».

وبالتحديد صرحوا بأن النساء الطبيعيات بصفة تامة، يتفاوتن بشكل كبير في رغباتهن في ممارسة العملية الجنسية، كما يتفاوتن بشكل واضح في رأيهن بما هو كاف لجهة ممارسة العملية تلك. وإذا كانت المرأة تود ممارسة العملية مرات أقل، أو أكثر، من تلك التي يريدها زوجها، فإنه ليس بالضرورة أن يكون أحدهما خارج النطاق الطبيعي لما هو للمثيلين لهم في العمر أو الظروف. هذا على الرغم من أن هذا التباين في الرغبات في ما بين الزوجين قد يؤدي إلى اضطراب في نوعية ومستوى العلاقة فيما بينهما، وقد لا يؤدي إلى ذلك على الإطلاق. ذلك أنه، وكما يقولون، قد تضعف الرغبة لدى أحد الزوجين بينما تزيد قوة العلاقة فيما بينهما. وأنه بالإضافة إلى هذا، فإنه لا يوجد «رقم» محدد لما هو طبيعي في عدد ممارسة العملية الجنسية خلال الأسبوع أو الشهر، ولذا فإن «رقم» عدد مرات ممارسة تلك العملية خلال الأسبوع الواحد ليس بالضرورة مقياسا جيدا لتقييم مدى رغبة المرأة في ممارستها. والنساء يتفاوتن بشكل واضح في هذا الجانب. وذكّروا بأن المرأة قد تتحاشى التجاوب مع الزوج في ممارسة العملية الجنسية للعديد من الأسباب التي لا علاقة لها البتة بمستوى الرغبة الجنسية لديها. ولعل من أبسطها الإجهاد النفسي، أو التعب البدني، أو عدم الثقة بالنفس في جاذبية مظهر جسمها أو شخصيتها، أو تدني مستوى المودة والألفة مع زوجها، أو غير ذلك. وبقراءة هذه العبارات لأطباء «مايو كلينك»، يبقى السؤال: إذا ما هو بالضبط تعريف مصطلح تدني الرغبة الجنسية لدى المرأة؟

وللإجابة، يقول هؤلاء الباحثون: «بالمصطلح الطبي، يكون لدى المرأة (اضطراب تدني الرغبة الجنسية) hypoactive sexual desire disorder حينما يستمر أو يتكرر فقدان الاهتمام لديها بممارسة العملية الجنسية، بما يؤدي إلى إصابتها بالحزن والتكدر الشخصي personal distress».

* أسباب بدنية ونفسية ومع هذا، كما يقولون، فإن وجود هذا الأمر لدى المرأة لا يعني تلقائيا ضرورة توجهها إلى طلب المعالجة الطبية، بخلاف ما لو حصل تغير أدى إلى الوصول إلى هذه الحالة بعد أن لم تكن لديها الأمور كذلك في السابق. وهذا الاستدراك الطبي مهم، لأن حصول «تغيير» غير طبيعي قد يعكس وجود أحد الأمراض العضوية لدى المرأة، والتي أحد مظاهرها تدني الرغبة الجنسية، مثل اضطرابات الغدد الهرمونية والآثار الجانبية لبعض أنواع الأدوية وغيرها.

وللتوضيح، الرغبة الجنسية لدى المرأة مرتبطة بمجموعة معقدة من التفاعلات بين عدة عناصر تتعلق بالألفة والمودة مع الزوج، ومستوى الصحة البدنية والنفسية، إضافة إلى تنامي الخبرة في عيش الحياة مع الزوج والتعامل معه. وعليه، فإن هناك أسبابا متعددة لاضطراب تدني مستوى الرغبة الجنسية. ومنها:

* أولا، أسباب عضوية: هناك طيف واسع من الأمراض، ومن الاضطرابات الوظيفية بالجسم، ومن الآثار الجانبية للأدوية، التي قد تتسبب في المشكلة، مثل:

ـ اضطرابات جنسية. كالألم أثناء الجماع dyspareunia، وعدم القدرة على الوصول إلى مرحلة ذروة التهييج الجنسي anorgasmia.

ـ أمراض عضوية: مثل التهابات المفاصل، السرطان، مرض السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض شرايين القلب، أمراض الجهاز العصبي، العقم.

ـ آثار جانبية للأدوية. مثل أدوية معالجة الاكتئاب، أو أدوية معالجة الأرق، أو ارتفاع ضغط الدم، أو العلاج الكيميائي للأمراض السرطانية، أو حتى أدوية معالجة نزلات البرد وحالات الحساسية.

ـ العمليات الجراحية السابقة. وتشير المصادر الطبية إلى أن المرأة التي خضعت في السابق لأي نوع من العمليات الجراحية في الثدي أو الأعضاء التناسلية، سواء كانت عمليات علاجية أو تجميلية، هي عرضة للمعاناة من تدني الثقة في جاذبية الجسم، وبالتالي ربما للمعاناة من تدني الرغبة الجنسية.

ـ الإجهاد والتعب البدني. وهو من أهم أسباب حصول هذه المشكلة الجنسية. والأسباب تتعدد هنا، مثل فقر الدم أو سوء التغذية أو الخضوع لبرامج حمية صارمة لإنقاص الوزن أو غيرها. إضافة إلى أعباء رعاية الأسرة وتدبير شؤون المنزل والقيام بواجباته الزوجية والاجتماعية والأسرية.

* ثانيا، أسباب هرمونية: التغيرات التي تطال معدلات نسبة الهرمونات الأنثوية بالذات، قد تكون سببا في المشكلة لدى بعض النساء. وفي ما قبل بلوغ مرحلة انقطاع الدورة الشهرية، تضطرب نسبة الهرمونات الأنثوية، وكذلك بكل تأكيد في مرحلة ما بعد بلوغ انقطاع الدورة تلك. وهرمون «أستروجين» Estrogen الأنثوي يساعد على حفظ مستوى جيد من الصحة لأنسجة المهبل، إضافة إلى الرغبة في ممارسة العملية الجنسية. وفي ما قبل وبعد بلوغ سن اليأس Menopause، يتدنى مستوى هذا الهرمون في جسم المرأة، ما يؤدي إلى تدني الرغبة الجنسية وإلى جفاف المهبل وضمور فيه، ما يؤدي إلى صعوبات في ممارسة العملية الجنسية بطريقة مريحة ومرغبة في تكرارها.

والشيء نفسه يحصل في تلك المرحلة مع هرمون «تستوستيرون» testosterone، المسؤول عن جزء من نشاط الرغبة الجنسية لدى المرأة، على الرغم من أنه في الأصل هرمون للذكورة لدى الرجال.

ولكن هذا التدني في الرغبة الجنسية، والمصاحب لبلوغ سن اليأس وما بعده من سنوات العمر، لا يصيب بالضرورة جميع النساء، بل بعضهن. وبالإمكان التغلب طبيا على تلك التغيرات الهرمونية إذا ما أثرت بشكل واضح على مستوى ونوعية الرغبة الجنسية.

وفي مراحل الحمل والرضاعة، تحصل أيضا تغيرات هرمونية، قد تكون عاملا في تدني الرغبة تلك لدى المرأة. إضافة إلى عوامل أخرى في تلك الحالات، مثل التغيرات في شكل الجسم ومستوى جاذبيته أجزائه الخارجية.

* ثالثا، أسباب نفسية أو عاطفية: وهنا عدة حالات نفسية، قد تمر بكثير من النساء، لها دور مهم ولا يلتفت إليه كثير من الأزواج والزوجات في تدني الرغبة لدى المرأة، مثل القلق من أشياء عدة، بعضها لا يخطر على بال البعض. والاكتئاب، الذي تتعدد أسبابه ومثيرات ظهوره لدى المرأة. وكذلك التوتر النفسي جراء عوامل اجتماعية أو أسرية أو مادية أو وظيفية، لدى الزوج أو لدى الزوجة نفسها.

ومما قد لا تصرح به المرأة، وله تأثير بالغ على الرغبة الجنسية لديها، مستوى الثقة في النفس بجاذبية جسمها للفت رغبة الزوج فيها. أو وجود تدني الثقة بالنفس self ـ esteem لدى المرأة في الأصل، أي فيما لا علاقة له بجاذبية الجسم.

والنساء في العموم، ترتبط لديهن الممارسة الجنسية بالقرب العاطفي وحميمية العلاقة بالزوج، ولذا، فإن وجود مشكلات في هذه الجوانب هو عامل مؤثر بشكل بالغ في مستوى الرغبة. وحينما تعلق بعض المشكلات من دون حل في ما بين الزوجين، أو يستمر ضعف التواصل في ما بينهما، أو تنشأ هواجس الغيرة والشكوك وتدني الثقة، فإن الرغبة الجنسية قد تضعف لدى المرأة.

* التعامل مع مشكلة تدني الرغبة لدى المرأة

* أساليب علاجية متعددة الأوجه

* اضطراب تدني الرغبة الجنسية لدى الزوجة، شيء صعب على المرأة وزوجها وزواجها. ومن الطبيعي والمتوقع، أن تشعر المرأة بالإحباط والحزن حينما لا تتمكن من أن تكون في هذا الجانب كما تتمنى، أو كما يتوقع منها زوجها أن تكون، أو كما كانت معه في السابق. وفي الوقت نفسه، قد يشعر الزوج بأن الزوجة ترفضه أو لا تنسجم معه، ما يزيد المشكلة تعقيدا بسبب نوعية رد الفعل الذي سيبديه الزوج. وبالتالي، نتيجة لشعورها ولشعور زوجها، ستزداد المشكلة تفاقما في جانب الرغبة الجنسية لديها، أي ستتحول المشكلة من مشكلة بسيطة في تركيبها، إلى مشكلة معقدة متعددة الأطراف والمسببات. وإلى اليوم، وعلى الرغم من كل الدعايات التجارية، لا يوجد دواء يؤدي إلى زيادة الرغبة الجنسية لدى المرأة. ولكن غالبية النساء اللاتي يعانين من هذه المشكلة، يستفدن من أسلوب متعدد التوجهات للتغلب عليها.

وبداية التعامل العلاجي مع المشكلة هو تذكر أن من الطبيعي أن يتفاوت مستوى الرغبة في الأوقات المختلفة. وهذا التفاوت أمر طبيعي في العلاقة الزوجية المعرضة لتأثير عوامل متجاذبة في ما بين الزوجين ومعيشتهم للحياة اليومية والظروف المحيطة بها والمؤثرة عليها.

والعنصر الثاني، هو تقليل التركيز على المشكلة، وعلى ممارسة العملية الجنسية، كي لا تزداد الأمور تعقيدا. وبالمقابل، التركيز على تنمية قوة العلاقة العاطفية مع الزوج، وممارسة عدة أشكال من الأنشطة الحياتية الصحية للجانب العاطفي والجانب النفسي والجانب البدني. وكلما زادت قوة الشعور بالثقة والاعتزاز بالنفس وبالزوج وبالعلاقة معه، أصبح حينها من الممكن معالجة المشكلة.

وبإيجاد حلول عملية وواقعية للمشكلات أو الضغوط التي تتعرض لها المرأة، كالمشكلات المادية أو الوظيفية أو الاجتماعية أو الأسرية، يقل مستوى التوتر والقلق والاكتئاب. وبتنمية الشعور بالاعتزاز بالنفس وبقدراتها، يزداد مستوى السعادة النفسية. وبتخصيص وقت يومي لممارسة الرياضة البدنية، تتحسن الحالة النفسية لجهة رفع مستوى المزاج العام، وتنشأ تغيرات واقعية في مظهر وجاذبية جسم المرأة، ما قد يرفع من مستوى الرغبة. وهناك تمارين رياضية خاصة لتقوية عضلات الحوض، وتحديدا تمارين «كيغل» Kegel exercises، تؤدي إلى زيادة الشعور بالتفاعلات العضلية خلال العملية الجنسية.

وبالتواصل السليم فيما بين الزوجين، والعمل بشكل واضح وصادق في حل المشكلات العالقة، يمكن أن ترتفع قوة العلاقة فيما بينهما. وهو ما يسمح بمزيد من الصراحة والجرأة عليها في الحديث فيما بينهما حول جانب اللقاء الجنسي في العلاقة الزوجية بينهما، وبالتالي وضع حلول عملية وواقعية لمشكلة تدني الرغبة لديها.

وإذا ما كانت هناك حالات مرضية، أو أن المشكلة ناجمة عن آثار جانبية محتملة لأحد الأدوية، فإن من الممكن بالتواصل مع الطبيب وضع حلول تخفف من تأثيراتها على الرغبة لديها.

كما أن هناك مجالا ضيقا، لكن يمكن الاستفادة منه، لاستخدام الهرمونات الجنسية لمعالجة المشكلة، وتحت الإشراف الطبي في تشخيص الحاجة ومتابعة الجدوى والتأثيرات المرجوة.